الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
241
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جعلوا فعل كذا معتليا على المخاطب ومتمكّنا منه تأكيدا لمعنى الوجوب فلمّا كثر في كلامهم قالوا : عليك كذا ، فركّبوا الجملة من مجرور خبر واسم ذات مبتدأ بتقدير : عليك فعل كذا ، لأنّ تلك الذات لا توصف بالعلوّ على المخاطب ، أي التمكّن ، فالكلام على تقدير . وذلك كتعلّق التحريم والتحليل بالذوات في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] ، وقوله أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ [ المائدة : 1 ] ، ومن ذلك ما روي عليكم الدعاء وعلي الإجابة ومنه قولهم : عليّ أليّة ، وعليّ نذر . ثم كثر الاستعمال فعاملوا ( على ) معاملة فعل الأمر فجعلوها بمعنى أمر المخاطب بالملازمة ونصبوا الاسم بعدها على المفعولية . وشاع ذلك في كلامهم فسمّاها النحاة اسم فعل لأنّها جعلت كالاسم لمعنى أمر مخصوص ، فكأنّك عمدت إلى فعل ( الزم ) فسمّيته ( على ) وأبرزت ما معه من ضمير فألصقته ب ( على ) في صورة الضمير الذي اعتيد أن يتّصل بها ، وهو ضمير الجرّ فيقال : عليك وعليكما وعليكم . ولذلك لا يسند إلى ضمائر الغيبة لأنّ الغائب لا يؤمر بصيغة الأمر بل يؤمر بواسطة لام الأمر . فقوله تعالى : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ هو - بنصب أَنْفُسَكُمْ - أي الزموا أنفسكم ، أي احرصوا على أنفسكم . والمقام يبيّن المحروص عليه ، وهو ملازمة الاهتداء بقرينة قوله : إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، وهو يشعر بالإعراض عن الغير وقد بيّنه بقوله : لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ . فجملة لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ تتنزّل من التي قبلها منزلة البيان فلذلك فصلت ، لأنّ أمرهم بملازمة أنفسهم مقصود منه دفع ما اعتراهم من الغمّ والأسف على عدم قبول الضالّين للاهتداء ، وخشية أن يكون ذلك لتقصير في دعوتهم ، فقيل لهم : عليكم أنفسكم ، أي اشتغلوا بإكمال اهتدائكم ، ففعل يَضُرُّكُمْ مرفوع . وقوله : إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ظرف يتضمّن معنى الشرط يتعلّق ب يَضُرُّكُمْ . وقد شمل الاهتداء جميع ما أمرهم به اللّه تعالى . ومن جملة ذلك دعوة الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلو قصروا في الدعوة إلى الخير والاحتجاج له وسكتوا عن المنكر لضرّهم من ضلّ لأنّ إثم ضلاله محمول عليهم . فلا يتوهّم من هذه الآية أنّها رخصة للمسلمين في ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأنّ جميع ذلك واجب بأدلّة طفحت بها الشريعة . فكان ذلك داخلا في شرط إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . ولما في قوله عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ من الإشعار بالإعراض عن فريق آخر وهو المبيّن ب مَنْ ضَلَّ ، ولما في قوله إِذَا اهْتَدَيْتُمْ من خفاء